القضاء الفلسطيني إلى أين؟!

القضاء الفلسطيني إلى أين؟!
القضاء الفلسطيني إلى أين؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

شهد القضاء الفلسطيني خلال خمسة عقود سابقة اهتزازات وانتكاسات عديدة، كانت أقواها وأشدها حينما قامت السلطة التنفيذية الفلسطينية بإحالة جميع القضاة الفلسطينيين الذين بلغوا الستين من العمر للتقاعد حتى أن البعض وصفها بالمذبحة أو بالعزل الجماعي. وشكل رأس السلطة التنفيذية في الوقت ذاته، مجلس قضاء أعلى انتقاليا لعام قادم ليقوم القضاء بالعودة لمساره الصحيح، ووقف تدهوره وإصلاحه والنهوض به.

وقد اثار هذا القرار جدلا واسعا في أوساط القانونيين والسياسيين ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والحكم الديموقراطي والمواطنين، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، حيث تمت إحالة أكثر من خمسين قاضيا للتقاعد المبكر، كثير منهم من أعضاء المحكمة العليا. مما خلق فراغا قضائيا، سرعان ما تم تلافيه عبر ترقية كثير من قضاة الإستئناف والبداية للعليا. حتى أن الأمر التبس على رئيس المجلس القضائي الأعلى الإنتقالي حيث جلس كقاض من على منصة القضاء، ليتولى الفصل في أحد الطلبات.

الإصلاح القضائي ليس أمرا فجائيا أو عاطفيا أو شخصيا، أو حلم ليلة صيف، أو مطرقة تهوي على الرؤوس لمرة واحدة، أو مجرد أمنيات، أو ألفاظ عائمة، فيتحقق الصعب العسير وينبلج صبح لا تشبه شائبة. وتنساب العدالة بسلاسة مثيرة للإعجاب وكأننا في قصة أحداثها تدور في الخيال الرحب الواسع الفسيح. فتغدو المحاكم فجأة مستقرة، ويغدو سيادة القانون محل احترام جميع الهيئات بما فيها أجهزة السلطة دونما خرق واحد. هذا محض خيال، لأن النتائج تحتاج إلى مقدمات. وللاسف الشديد لم يتم إيجاد هذه المقدمات ولم يتم استعمالها أو توظيفها أو الاستعانة بها. فضلا عن أن الأمر يحتاج لرياضة روحية تؤمن به وتعمل على تحقيقه.

بكلام آخر يحتاج الإصلاح القضائي إلى مقومات أساسية عديدة حتى يمكن تحقيقه. أول هذه المتطلبات الفصل المرن وليس الجامد بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومن هنا قرر القانون الأساس الفلسطيني في مادته الثانية هذا المبدأ الدستوري الهام، وأن السلطة القضائية مستقلة وتأكيدا أن القضاة مستقلون (97، 98 من القانون الأساس ). ثاني هذه المتطلبات أن المادة السادسة منه أكدت أن مبدأ سيادة القانون اساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص. وثالثها أن تسود الديموقراطية ووجود مجلس تشريعي أي نيابي يشرع القوانين. ورابعها أن يسود مبدأ المساءلة والمسئولية أجهزة الدولة. وخامسها كشف المعلومات للجمهور ووضوح آليات عمل السلطة التنفيذية عبر نصوص قانونية واضحة. كل هذه المتطلبات تكون في صورة ضمانات دستورية وبخاصة لحقوق الأفراد والقيم الأساسية للمجتمع مثل الحقوق الفردية المدنية كالكرامة الإنسانية والعدالة والحريةوالمساواة مع تحقيق الحقوق الإجتماعية والإقتصادية والسياسية كالحق في الصحة والتعلم والسكن والأمن الشخصي.

قد يعتقد البعض أن هذا الكلام ما هو إلا خيال جامح وهو من صنع أحلام الكاتب. ولكن دعونا نلتصق بمبدأ الفصل بين السلط وكيفية تطبيقه في هذا البلد المنكوب باحتلال إسرائيلي وحصار اقتصادي وهدم للمنازل واعتقال فردي وجماعي وسجن كبير. ولماذا لا يوجد انتخابات تشريعية ورئاسية طيلة الفترة السابقة توطئة للإصلاح القضائي؟! لماذا يتم تبرير سرعة وسهولة وفوضى إصدار قرارات بقانون، عملا بالمادة 43 من القانون الأساس، طيلة الفترة الماضية. فأي مجلس تشريعي قادم لن يستطيع دراسة هذه القوانين المؤقتة الإستثنائية اصلا ولو أوتي قوى إعجازية. لماذا كان هناك تداخل صارخ بين اختصاصات وزارة العدل والنيابة العامة وديوان الفتوى والتشريع والمحاكم النظامية ومجلس القضاء الأعلى وفي يوم من ألأيام القضاء في قطاع غزة. وترك الأمر ولم يحسم وخلق تناقضات وأفرز تنافرات.

فور عودة السلطة الوطنية الفلسطينية سرت أفكار غريبة لكنها براقة، مؤداها أن القوانين الأردنية والبريطانية والعثمانية غدت بالية، ويجب استبدالها . بعد ذلك وضعت قوانين لم تبتعد عن سابقاتها بحجة التجديد. وما لبث ان حصل الإنقسام وتعطل المجلس التشريعي، وتعطلت العملية التشريعية برمتها. فما كان من البعض إلا أن أسّر للرئيس باستعمال صلاحياته وفق المادة 43 من القانون الأساس والمتعلقة بالقوانين المؤقتة. وبعد قلة اقتناع الرئيس باستعمال هذه الصلاحية، إلا ان هذا البعض استمر في محاولاته تحت ذرائع وحجج مختلفة لم يملك الرئيس إلا أن ينصع لها. وبالتالي نحن أمام سيل من هذه التشريعات المؤقتة التي لم تعد جيدا وأوقعت المجتمع الفلسطيني في تناقضات خطيرة.

الكثيرون يراهنون بسذاجة غريبة على نوايا الرئيس الحسنة بإصلاح السلطة القضائية وهو شخص فرد، ولم يعلموا أن الكثير من مرافق السلطة التنفيذية المنتشرة، لا يروقها قضاء فلسطيني مستقل نزيه محايد موضوعي. فهي لن تستطيع ان تصول وتجول بدون عون قضائي غير مباشر. فالسلطة التنفيذية الفلسطينية لها تاريخ طويل في إخضاع السلطة القضائية لها بشكل من الأشكال، وكأنها لا تقّر عينا إلا إذا رافقها تبعية من السلطة القضائية لأجهزتها الأمنية على اختلاف تسمياتها، وتبعية للمحافظين وللوزراء ومجلس الوزراء والرئاسة. وما انفك الصراع قائما بين السلطتين بدل التكامل والإحترام وتستعمل السلطة التنفيذية اسلحتها العديدة لاستمالة بعض أعضاء السلطة القضائية، وبخاصة ان هذه الأدوات بيد السلطة التنفيذية، فهي تملك المال وقوى الأمن والموازنات والقرار. حتى جعل البعض منهم يحاول استقطاب بعض القضاة، في محاولة لتسييسهم وتبرير ذلك أن الشعب الفلسطيني في جله مسيس. وهذا خلق تناحرا بين بعض القضاة وتنافسا في كيفية الوصول لمقعد السلطة التنفيذية وإرضائهم حتى يحققوا مآربهم والوصول لمبتغاهم. بل كان التناحر بين بعض القضاة في الزيارات الخارجية والداخلية، وتدخل المنظمات غير الحكومية في مسارات أنشطة وتمويل القضاء أمرا خاطئا وحارفا له عن مساره.

السلطة التنفيذية قامت بنفسها بخرق القانون الأساس الفلسطيني والقوانين الفلسطينية العديدة وأطاحت برأس لإصلاح القضائي الفلسطيني بعيدا. فكم مرة قامت السلطة التنفيذية بمخالفة قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 حينما عينت رئيسا لمجلس القضاء الأعلى ممن لا تنطبق عليه شروط المادة 37 منه. بل كم مرة حينما صدر قرار التعيين لرئيس مجلس القضاء الأعلى بيد سحب باليد الأخرى عبر توقيع الإستقالة الخالي من التاريخ. أولم يمتنع وزراء كثر واجهزة أمنية عن تنفيذ أكثر من قرار قضائي صادر عن المحكمة العليا بشقيها. وتجاهلوا النص الدستوري القائل بوجوب تنفيذ الأحكام القضائية والأخطر أن السلطة التنفيذية لم تعزلهم من الوظيفة العامة ولم يقدموا للمحاكمة الجزائية بتهمة ارتكاب جريمة كما قررت المادة 106 من القانون الأساس الذي يجب على الجميع احترامه والإنصياع لأحكامه . وكم مرة فرقنا بين قرارات رئيس مجلس القضاء الأعلى وبين قرارات مجلس القضاء الأعلى ذاته وهي تفرقة خطيرة وهامة. وكم مرة أبطلت محكمة العدل العليا قرارات الرئيس بتعيين فلان لرئاسة مجلس القضاء الأعلى. ووصل التدخل للقضاء الواقف متمثلا في نقابة المحامين بعيدا عن مصلحة جمهور المحامين وتحقيق مكاسب للمحامين من خلال تفعيل نصوص النقابة دونما تعديل لنصوصه. وللأسف ساهم القضاء الفلسطيني بغزة، بهذا التراجع، حينما قرر في جلسة غير قانونية بانحراف واضح، وقرار منعدم، أن جميع نصوص قانون السلطة القضائية رقم 15 لسنة 2005 غير دستوري بينما المتعارف عليه أن يكون هناك نص قانوني واحد او اثنين غير دستوريين أما أن تسود عدم الدستورية جميع نصوص القانون فهذا أمر غير صحيح البتة.

صحيح واكيد ان دور السلطة التنفيذية في تعاظم شديد في كل أنحاء العالم برمته سواء في الصين أو في أمريكا، لكن هذا لا يبرر تبعية وعدم استقلال السلطة القضائية. وهذا لا يساهم في الدولة القانونية ولا في سمو سيادة القانون.

هناك سؤال ما انفك يجول بالخاطر بعد قراءة القرارين بقانونين وبخاصة قضية سن الستين. فدول العالم اليوم ترفع سن التقاعد ولا تخفضه، فضلا عن أن العقل القانوني يزداد توهجا وعلما بعد سن الستين إذا رافقته الصحة العقلية والبدنية. اما إحالة من بلغ الستين للتقاعد الإلزامي فهذا عزل مبكر. ويحرم القضاء من كفاءات قانونية كبيرة وكثيرة هو في أمس الحاجة إليها بل هو في عوز شديد لها. ويناقض النصوص القانونية الخاصة بعدم جواز عزل القضاة (م 27 من القانون الأساس) واستقلالهم ( م 98 من القانون الأساس ). أما إذا كان القصد كما قال البعض لترويج مفاهيم جديدة وتغييب اشخاص غير مناسبين، فكان من الممكن ان يتم ذلك شخصيا وتقديم الشخص إلى المحاكمة ولا يضحى بهذا الجمع الواسع من القضاة. يبقى السؤال إذا كان سن الستين محلا للتقاعد فلم لا ينطبق ذات المعيار إعمالا لمبدأ المساوةعلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الإنتقالي وعلى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؟!

السياسة والقانون قد يتناقضا ولكن الدولة القانونية توفق بينهما وتجمعهما على أرضية الحكم الرشيد والمصلحة العامة ومجتمع مدني قوي وسيادة القانون. لكن السياسيين في فلسطين لا يحبون القانون ولا يعشقونه فهو يقيدهم ويبطل تصرفهم احيانا، لذا هم يفضلونه أيقونات معلقة للزينة وليس للتطبيق. يساعدهم في هذا الزمن الرديء بعض المتطفلين على القانون والمتنطعين له، المدعين بفهمهم العميق له، وغدوا ناصحين كمفتي البلاط في قصور الخلفاء يوما ما.

لن يتقدم الشعب الفلسطيني إلا بإعلاء سيادة القانون وإقامة الحكم الرشيد. وتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان. فهذا الشعب المناضل الحالم بإقامة دولة القانون والنظام لن يرتاح إلا بتحقيق قضاء نزيه مستقل موضوعي محايد يحقق أمانيه مهما طال الزمن ولن يكون نسخة باهتة للأنظمة العربية وعسفها.

الحقيقة يجب أن تسود والحق يعلو ولا يعلى عليه!!!

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع عيون الخليج ، القضاء الفلسطيني إلى أين؟! ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : القدس

السابق اخبار فلسطين حرائق تأتي على أكثر 1000 شجرة في جنين
التالى اخبار فلسطين اتصال هاتفي بين الرئيس عباس ورئيس الوزراء البريطاني