اخبار عمان اليوم الشاب العماني والخليفة هارون الرشيد في حكايات ألف ليلة وليلة «2-2»

اخبار عمان اليوم الشاب العماني والخليفة هارون الرشيد في حكايات ألف ليلة وليلة «2-2»
اخبار عمان اليوم الشاب العماني والخليفة هارون الرشيد في حكايات ألف ليلة وليلة «2-2»
إعداد: نصر البوسعيدي

وفي مساء ذات يوم سمعت ضجة عظيمة فقلت لطاهر ابن العلاء: ما الخبر؟ فقال: إن هذه الليلة عندنا أشهر الليالي وجميع الخلائق يتفرجون فهل لك أن تصعد للسطح وتتفرج على الناس؟ فقلت: نعم وطلعت على السطح فرأيت ستارة حسنة وصبية تدهش الناظرين حسنا وجمالا فلما رأيتها يا أمير المؤمنين لم أملك نفسي ولم أعرف أين أنا لما بهرني من حسن صورتها، فقالت لي الجارية التي أنا عندها: هذه ابنة طاهر بن العلاء وهي سيدتنا وكلنا جواريها. فقلت: والله لأذهبن مالي كله على هذه الجارية وبت أكابد الغرام طول ليلي، فلما أصبحت لبست أفخر ملبوس من ملابس الملوك وجئت لأبيها وقلت له أريد تلك الجارية، فقال لي: زن الذهب، فوزنت له عن كل شهر عشرة آلاف درهم، وبعدها أخذوني إليها فلما رأيت الصبية اندهش عقلي بحسنها يا أمير المؤمنين وهي كالبدر في ليلة أربعة عشر ذات حسن وجمال وألفاظ تفضح رنات المزاهر، ومن فرط الاشتياق بكيت حماقة الفراق وأسبلت دمع العين قائلا:

أحب ليالي الهجر لا فرحا بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصال

وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل شيء معقبا بزوال

ثم إنها صارت تؤانسني بلطف وأنا غريق في بحر الغرام خائف في القرب ألم الفراق من فرط الوجد والاشتياق، وتذكرت لوعة النوى والبين فأنشدت:

فكرت ساعة وصلها في هجرها فجرت مدامع مقلتي كالعندم

فطفقت أمسح مقلتي في جيدها من عادة الكافور إمساك الدم

وأقمت عندها يا أمير المؤمنين مدة من الزمان حتى نفد جميع مالي فتذكرت مفارقتها وبكيت، فقالت: لأي شيء تبكي؟ فقلت لها: يا سيدتي من حين جئت إليك وطاهر ابن العلاء يأخذ مني في كل ليلة خمسمئة دينار وما بقي عندي شيء من المال وقد صدق قول الشاعر حينما قال:

الفقر في أوطاننا غربة والمال في الغربة أوطانُ

فقالت لي: اكتم سرك واخف أمرك وأنا أعمل حيلة في اجتماعي بك إلى ما شاء الله فإن لك في قلبي محبة عظيمة وأعلم أن مال أبي تحت يدي وهو لا يعرف قدره وأنا أعطيك في كل يوم كيسا فيه خمسمئة دينار وأنت تعطيه لأبي وتستمر هكذا إلى أن يشاء الله، فشكرتها على ذلك وقبلت يدها.

ثم أقمت عندها يا أمير المؤمنين على هذا الحال مدة سنة كاملة، فاتفق في بعض الأيام أنها ضربت جاريتها ضربا وجيعا، فقالت لها: والله لأوجعن قلبك كما أوجعتني ثم مضت تلك الجارية إلى أبيها وأعلمته بأمرنا، فلما سمع قام من وقته ودخل علي وقال: من عادتنا أنه إذا كان عندنا تاجر وافتقر أننا نضيفه عندنا ثلاثة أيام وأنت على هذا الحال عندنا سنة تأكل وتشرب.

ثم التفت إلى غلمانه وقال: اخلعوا ثيابه ففعلوا وأعطوني ثيابا رديئة قيمتها خمسة دراهم ودفعوا إلي عشرة دراهم، وقال لي: اخرج فأنا لا أضربك ولا أشتمك وأذهب إلى حال سبيلك، وإن أقمت في هذه البلدة كان دمك هدرا، فخرجت يا أمير المؤمنين رغم أنفي ولا أعلم أين أذهب، وحل بقلبي كل هم الدنيا وقلت في نفسي كيف أجيء إلى البحر بألف ألف من جملتها ثمن ثلاثين مركبا ويذهب هذا كله في دار هذا الشيخ النحس واخرج من عنده عريانا مكسور القلب؟!

ثم أقمت في بغداد ثلاثة أيام لم أذق طعاما وشرابا، وفي اليوم الرابع رأيت سفينة متوجهة للبصرة فنزلت معهم إلى البصرة ودخلت السوق وأنا في شدة الجوع فرآني بقال كان صاحبا لي ولأبي فعانقني وسألني عن حالي فأخبرته بما جرى، فقال: والله ما فعال عاقل ومع هذا أتجلس عندي وتكتب خرجي ودخلي ولك في كل يوم درهم زيادة على أكلك وشربك؟! فأجبته وأقمت عنده يا أمير المؤمنين سنة كاملة إلى أن صار معي مئة دينار فاستأجرت غرفة على شاطئ البحر لعل مركبا يأتي ببضاعة فأشتري بالدنانير بضاعة وأتوجه لبيعها في بغداد، وفي بعض الأيام جاءت المراكب وتوجهت إليها وإذا برجلين قد خرجا من بطن المركب ونصبا لهما كرسيين ثم أقبل التجار عليها لأجل الشراء وجاء واحد منهم بخرج به جراب وفتحه وكبه على البساط وإذا به يخطف البصر لما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان والعتيق من سائر الألوان.

فتزايدت التجار في الثمن حتى بلغ مقداره أربعمئة دينار فقال لي صاحب الجراب وكان بينه وبيني معرفة قديمة لماذا لا تتكلم مثل التجار؟ فقلت له: والله ما بقى عندي شيء من الدنيا سوى مئة دينار واستحيت منه ودمعت عيناي فنظر إلي وقد عسر عليه حالي وقال للتجار: اشهدوا علي أني قد بعت جميع ما في الجراب من أنواع الجواهر والمعادن لهذا الرجل بمئة دينار وهو هدية مني إليه، فشكرته على ذلك وأخذت البضاعة ومضيت بها إلى سوق الجواهر وقعدت أبيع وأشتري وكان من بين الجواهر قرص تعويذ صنعه المعلمون وكان شديد الحمرة وعليه أسطر مثل دبيب النمل ولم أعرف منفعته، فبعت واشتريت مدة سنة كاملة، وقرص التعويذ له عندي مدة لا أعرفه ولا أعرف منفعته ولم يدفع لشرائه إلا أحد التجار بعشرة دراهم فقلت له ما أبيعه بهذا القدر.

وبينما أنا جالس في يوم من الأيام أقبل علي رجل فسلم وقال: هل أقلب ما عندك من البضاعة، فقلت نعم وأنا مغتاظ من كساد قرص التعويذ، فلما رآه الرجل قبل يده وقال لي: يا سيدي أتبيع هذه وكم ثمنه؟! فقلت له: كم تدفع فيه أنت؟! قال: عشرين دينارا فلم أخاطبه فقال: أبخمسين دينارا فلم أجبه ظنا أنه يستهزئ بي وظل على هذا الحال وهو يزيد ألفا بعد ألف حتى قال: أتبيعه بعشرين ألف دينار؟ فقلت له: هل أنت تشتري أو تستهزئ؟ فقال بثلاثين ألف دينار.. خذها وأمضِ البيع وأنا أخبرك بعدها بفائدته ونفعه، فقلت له: بعتك، ثم أخرج الذهب وأقبضني إياه وأخذ قرص التعويذ ووضعه في جيبه ثم قال: هل رضيت؟ فقلت: نعم، فقال للناس اشهدوا عليه أنه أمضى البيع وقبض الثمن.

ثم التفت إلي وقال يا مسكين والله لو أخرت البيع لزدناك إلى مئة ألف دينار بل إلى مئة ألف ألف دينار، فلما سمعت هذا الكلام يا أمير المؤمنين نفر الدم من وجهي وعلا عليه هذا الاصفرار الذي أنت تنظره من ذلك اليوم، ثم قلت له أخبرني ما سبب ذلك وما نفع هذا القرص؟ فقال: اعلم أن ملك الهند له بنت لم يُرَ أحسن منها وبها داء الصداع فأحضر الملك أرباب الأقلام وأهل العلوم والكهان فلم يرفعوا عنها ذلك فقلت للملك وكنت بحضرته: أيها الملك أنا أعرف رجلا يسمى سعد الله البابلي ما على الأرض أعرف منه بهذه الأمور فإن رأيت أن ترسلني إليه، فقال الملك: اذهب إليه، فقلت له: أحضر إلي قطعة كبيرة من العقيق ومعها مئة ألف دينار هدية، فأخذت ذلك وتوجهت إلى بلاد بابل ودفعت للشيخ المئة ألف دينار والهدية، ثم أخذ قطعة العقيق وأحضر حكاكا عمل هذه التعويذة ومكث الشيخ سبعة أشهر يرصد النجم حتى اختار وقتا لكتابته وكتب عليه هذه الطلاسم، فأخذت هذه التعويذة وجئت للملك فلما وضعه على ابنته برئت من ساعتها وهي من كانت مربوطة بسلاسل، ففرح الملك فرحا شديدا وتصدق بمال كثير ثم وضعه في عقدها، ويوما ما نزلت في مركب هي وجواريها تتنزه في البحر فمدت جارية يدها لتلاعبها فانقطع العقد وسقط في البحر فعاد إليها المرض فحصل ما حصل للملك من الحزن فأعطاني مالا كثيرا وقال لي اذهب إلى الشيخ ليعمل لها تعويذة عوضا عنها فسافرت إليه فوجدته ميتا فأخبرت الملك بذلك فبعثني أنا وعشرة أنفس نطوف في البلاد لعلنا نجد لها الدواء فوجدت هذه التعويذة عندك.

فأخذه مني يا أمير المؤمنين وانصرف فكان ذلك الأمر سببا للاصفرار الذي في وجهي، ثم أني توجهت إلى بغداد ومعي جميع مالي، وجئت إلى بيت طاهر بن العلاء لعلي أرى من أحبها فإن حبها لم يزل يتزايد في قلبي فلما وصلت إلى داره رأيته قد انهدم فسألت غلاما ما الذي حدث لابن العلاء فقال: يا أخي إنه قدم عليه في سنة من السنين رجل تاجر يقال له أبو الحسن العماني فأقام مع ابنته مدة من الزمن ثم بعد أن ذهب ماله أخرجه من عنده مكسور الخاطر، وكانت الصبية تحبه حبا شديدا فلما فارقها مرضت مرضا شديدا حتى بلغت الموت فباع أبوها كل الجواري وأرسل خلفه في البلاد وقد ضمن لمن يأتي به مئة ألف دينار فلم يره أحد وهي الآن مشرفة على الموت، فقلت له اذهب إليه واخبره أن أبا الحسن العماني واقف على الباب، فانطلق الرجل يهرول حتى جاء بطاهر ابن العلاء الذي عانقني وبكى وقال: يا سيدي أين كنت في هذه الغيبة هلكت ابنتي من أجل فراقك أدخل معي للمنزل، فلما دخلت سجد شكرا لله، ودخل على ابنته وقال لها: شفاك الله من هذا المرض، فقالت: يا أبت ما أبرا من مرضي إلا إذا نظرت وجه أبي الحسن، فقال إذا أكلت أكلة جمعت بينكما فلما سمعت كلامه قالت أصحيح ما تقول قال لها نعم، فقالت والله إن نظرت إلى وجهه ما أحتاج إلى أكل، فقال لغلامه أحضر سيدك، فلما دخلت نظرت إلي يا أمير المؤمنين فوقعت مغشيا عليها فلما أفاقت أنشدت:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

ثم استوت جالسة وقالت: يا سيدي ما كنت أظن أني أرى وجهك إلا إن كان مناما، ثم إنها عانقتني وبكت، ثم صرت عندهم يا أمير المؤمنين مدة من الزمن وعادت كما كانت عليه من الجمال، وهي الآن زوجتي.

بعد أن أسرد العماني حكايته لهارون الرشيد، انصرف الخليفة هو وجماعته مودعا الشاب، وحينما جلس في دار الخلافة قال: يا مسرور اجمع في هذا الديوان خراج البصرة وخراج بغداد وخراج خراسان فجمعوه وأمرهم أن يضعوه خلف ستارة فجمعوه وكان مالا عظيما، ثم قال لجعفر أحضر لي أبا الحسن العماني، فلما حضر قال له الرشيد: يا عماني، قال لبيك يا أمير المؤمنين، فقال له اكشف هذه الستارة عن الإيوان، فلما كشف الستارة اندهش عقله من كثرة المال، فقال الخليفة هارون الرشيد: يا أبا الحسن أهذا المال أكثر أم الذي فاتك من قرص التعويذة، فقال بل هذا يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: اشهدوا يا من حضر أني وهبت هذا المال لهذا الشاب، فقبل الأرض واستحى وبكى من شدة الفرح بين يدي الرشيد، فرجع الدم إلى محله فصار وجهه كالبدر ليلة تمامه، ثم أمر الخليفة أن يحمل إليه المال وسأله أن لا ينقطع عنه من أجل المنادمة فصار يتردد إليه إلى أن توفي رحمه الله».

المرجع: موسوعة عُمان في التراث العربي في عيون الأدباء ج1، د.هلال الحجري، الطبعة الأولى 2018م، الناشر: وزارة الإعلام سلطنة عُمان، بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان، سلطنة عُمان - مسقط.

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع عيون الخليج ، اخبار عمان اليوم الشاب العماني والخليفة هارون الرشيد في حكايات ألف ليلة وليلة «2-2» ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : الشبيبة

السابق زلزال اقتصادي جديد
التالى أعضاء الشورى وتضارب الاختصاصات