الانتعاش الضعيف

الانتعاش الضعيف
الانتعاش الضعيف

خوسيه أنطونيو أوكامبو

تشهد أمريكا اللاتينية نهاية عامها الخامس على التوالي من النمو الاقتصادي الضعيف. من عام 2014 إلى عام 2018، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي 0.5 % فقط، وهو أبطأ مما كان عليه خلال السنوات الخمس الأولى من أزمة الديون في أمريكا اللاتينية (1981-1985) والخمس سنوات التي تلت الأزمة المالية الآسيوية لعام 1997 (1998-2002). يمكننا القول إن أمريكا اللاتينية عانت من «نصف عقد ضائع».

وفي حين حققت بعض الاقتصادات الصغيرة معدلات نمو سنوية تتجاوز 4 في المائة - ولاسيما بنما والجمهورية الدومينيكية، وبدرجة أقل بوليفيا وباراغواي - فقد واجهت الاقتصادات الأكبر في أمريكا اللاتينية العديد من المشاكل. لم تشهد فنزويلا، على وجه الخصوص، أسوأ انهيار اقتصادي حاد في أمريكا اللاتينية في التاريخ فحسب، بل عانت أيضا من الارتفاع الصاروخي لمعدل التضخم والذي يزداد بشكل غير مفهوم. (وقد عانت اقتصادات أخرى في أمريكا اللاتينية من التضخم المفرط في الماضي). وبالمثل، واجهت الأرجنتين هذا العام انخفاضات حادة بقيمة العملة المحلية «البيزو»، وارتفاعات حادة في معدلات التضخم، واضطرت إلى ضمان إنقاذ مالي لصندوق النقد الدولي بلغت قيمته الإجمالية أكثر من 57 مليار دولار - وهو أكبر مبلغ أنفقه صندوق النقد الدولي على الإطلاق - لمساعدته على تعزيز موارده المالية. وفي السنوات الخمسة الأخيرة، سجلت البرازيل أسوأ ركود اقتصادي في تاريخها. وقد حافظت المكسيك، من جانبها، على سجل نمو متوسط لعدة عقود.

وعلى الرغم من أدائهما القوي نسبيا في الماضي، عانت شيلي وكولومبيا من بطء النمو الاقتصادي على مدى السنوات الخمس الفائتة . وبالمثل، لم تستطع بيرو استعادة النمو القوي - وهي التي برزت بين الاقتصادات الكبيرة والمتوسطة في العالم لأدائها القوي في أوائل القرن الحادي والعشرين .

والخبر السار هو أن الإمكانيات الاقتصادية لأمريكا اللاتينية تتحسن على ما يبدو، على الرغم من أن الانتعاش سيكون بطيئاً. توقعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في الآونة الأخيرة معدل نمو يبلغ 1.7 % لعام 2019، أي نصف نقطة مئوية أقل مما توقعه صندوق النقد الدولي قبل شهرين فقط.

على الرغم من أن الاقتصاد البرازيلي أظهر أخيرا علامات انتعاش بعد «أسوأ ركود في التاريخ الحديث»، فإنه يواجه العديد من التحديات المقبلة، وما يزال بحاجة إلى معالجة بعض الاختلالات في الاقتصاد الكلي، في حين سيظل النمو المكسيكي بطيئًا. في كلا البلدين، تخلق التغيرات السياسية الرئيسية المصاحبة لانتخاب الرؤساء الجدد حالة من عدم اليقين.

إن الاقتصادات الكبيرة والمتوسطة الحجم التي ستحقق أفضل النتائج هي بيرو وكولومبيا وتشيلي - ربما بنفس الترتيب - على الرغم من أن معدلات نموها ستظل أقل بكثير مما كانت عليه خلال فترة ازدهار السلع ما بين عامي 2004 و 2013. ويبقى أداء الأرجنتين، التي تعاني من ركود مستمر، وفنزويلا، التي لا تبذل أي جهود للخروج من أزمتها في أي وقت قريب، هو الأسوأ.

ويعزى ضعف انتعاش أمريكا اللاتينية جزئيا إلى بيئة دولية غير داعمة. تعرف البلدان المتقدمة الرئيسية تباطأ في النمو الاقتصادي، بما في ذلك الصين. وعلاوة على ذلك، من المحتمل أن تنعكس عواقب صعود النزعة الحمائية، والحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، على أمريكا اللاتينية بالدرجة الأولى عن طريق تحويل التجارة.

والأسوأ من ذلك، انخفضت أسعار السلع الأولية مرة أخرى في الأشهر الأخيرة، بعد ما شهدت تعافيا في عام 2016 عقب انهيارها في السنوات السابقة. وقد تراجعت أسعار النفط في أكتوبر، بعد ارتفاعها الشديد، واستمر هذا الانخفاض منذ ذلك الحين.

في الواقع، تباطأت التدفقات الرأسمالية للمحفظة المالية، في حين زادت تكاليفها بسبب ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة - وهو اتجاه من المرجح أن يستمر - زيادة المخاطر. لحسن الحظ، كما سبق وأشرت، لا توجد مؤشرات على «التوقف المفاجئ» في التمويل الخارجي، مما أدى إلى كارثة خلال أزمة الديون في الثمانينيات وبعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997.

يكمن الحل لعلاج المشاكل الاقتصادية للبلدان الأمريكية اللاتينية في الإصلاحات العميقة، ليس بالضرورة إصلاحات السوق، والتي لها سجل ضعيف نسبيًا في توليد النمو السريع في العقود الأخيرة. في 1950-1980، عندما شهدت أمريكا اللاتينية التصنيع السريع، كان متوسط معدل نموها يبلغ 5.5 % سنويا. ومع ذلك، فمنذ عام 1990 - بعد أزمة الديون في الثمانينيات - تمكنت المنطقة من تحقيق نمو سنوي بنسبة 2.8 % فقط.

ويعتبر تراجع التصنيع السريع والمبكر الذي مرت به أمريكا اللاتينية منذ الثمانينيات سبباً رئيسياً وراء ذلك. وبالفعل، عرفت البرازيل والمكسيك تباطؤا حادا طويل الأجل، وهما أكبر اقتصادين في المنطقة وعاملين رئيسيين لنجاح التصنيع.

ونتيجة لذلك، ينبغي لأمريكا اللاتينية متابعة الإصلاحات التي تدعم قطاع التصنيع، حتى مع استمرارها في استغلال ميزتها النسبية القوية في الموارد الطبيعية - وهي الميزة التي ساهمت في تعزيز العلاقات الوثيقة مع الصين بشكل متزايد. ووفقا لبنك أمريكا اللاتينية للتنمية، ينبغي أن تشمل هذه الإصلاحات زيادة الاستثمار في الهياكل الأساسية، والتي تبلغ في الوقت الحالي نحو نصف ما تحتاجه المنطقة.

في وقت يتسم بالتغير التكنولوجي السريع، تحتاج أمريكا اللاتينية أيضاً إلى الاستثمار أكثر في البحث والتطوير. تشير تقارير اليونسكو إلى أن المنطقة لا تنفق سوى حوالي 0.7 % من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، مقارنة بـ 2.1 % في شرق آسيا و2.4 % في دول منظمة التعاون الاقتصادي ذات الدخل المرتفع (OECD).

أخيرا، يجب على أمريكا اللاتينية تعزيز عمليات التكامل الإقليمي الخاصة بها. من المؤكد أنه تم إحراز بعض النتائج الايجابية، لاسيما فيما يتعلق بتحالف المحيط الهادئ (مع تشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو كأعضاء كاملين). كما حقق التكامل في أمريكا الوسطى تقدما ملحوظا. لكن أكبر مشروعين للتكامل في أمريكا الجنوبية - جماعة دول الكاريبي «ميركوسور» وجماعة دول الأنديز - لم يتمكنا من تعزيز العلاقات السياسية بين أعضائهما.

وبإتباع النهج الصحيح، يمكن لأمريكا اللاتينية تحسين إمكانياتها الاقتصادية إلى حد كبير، ومن المحتمل أن تتجنب خسارة أخرى لنصف العقد. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت ستعزز الإرادة السياسية لاتخاذ الخطوات اللازمة.

عضو مجلس إدارة البنك المركزي

الكولومبي، وأستاذ في جامعة كولومبيا

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع عيون الخليج ، الانتعاش الضعيف ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : الشبيبة

السابق ستبقى السبلة العُمانية للأجيال معلمًا
التالى «عصفـور» لدعم اللاجئيـن السـوريين