فقيد الكرة والتدريب أحمد بن يوسف سالمين

ألا إنها مشيئة الله سبحانه وتعالى الذي لا راد لقضائه، ففي يوم الاثنين الماضي الموافق 28 يونيو المنصرم انتقل إلى الباري عز وجل أحد الإخوة الأصدقاء الأوفياء المخلصين، الذي كانت من سماته تمتعه بالصفات الكريمة والأخلاق الرفيعة، والذي كانت أعماله المحمودة تسبق أقواله، هذا بخلاف روحه الرياضية العالية، والذي تميز بمستواه المرموق في ممارسة هوايته المحببة إليه، ألا وهي لعبة كرة القدم التي نال من خلالها الشهرة والبروز وسمع عنه القاصي والداني في البحرين خاصة، وفي الخليج والوطن العربي عامة.

إنه اللاعب والمدرب الفاضل أحمد بن يوسف سالمين. ولقد وقع خبر وفاته علينا نحن زملاؤه ومحبوه ومعارفه بمحافظة المحرق، بل وبمملكة البحرين، وقع الصاعقة.

وباستذكار ما سلف وانقضى من زمن كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها هذا اللاعب المشهور والمعروف في واحدة من المباريات المهمة لفريق الهلال بمدينة المحرق الذي نشأت فيه وتعلمت من خلاله أبجديات وأساسيات كرة القدم، وكان ذلك عام 1957 في فترة ما بعد العدوان الثلاثي على مصر، وكانت المباراة بين الهلال وفريق من الجيش البريطاني الموجود في البحرين آنذاك، وكان الفريق البريطاني يقيم في قصر القضيبية، وأقيمت المباراة على ملعب المدرسة الثانوية الخارجي، وكان أحمد بن سالمين يلعب حينها ضمن فريق الهلال في مركز الجناح الأيمن، فيما كان يلعب في مركز الجناح الأيسر اللاعب عبدالرحمن بوجمال الذي تزامل معه لاحقا باللعب بفريق المحرق، وأسفرت تلك المباراة عن فوز الفريق البريطاني بهدف واحد أحرز من ركلة جزاء بمرمى الحارس حسن الماجد الذي لعب مع الهلال حتى موسم 1959/‏‏‏58، وانتقل إلى فريق المحرق ابتداءً من موسم 1960/‏59.

وبالنظر إلى أن هذا الفريق البريطاني كان قد فاز على فريق المحرق قبل هذه المباراة بستة أهداف سجلها لاعب واحد فقط يدعى جون وذلك بيسراه الصاروخية، فإن النتيجة التي جاءت عليها مباراة الهلال بعدها كانت إيجابية بالنسبة للهلال، وعندما ركبنا الحافلة (الباص) للعودة للمحرق وكان الجميع حينها في غاية السرور والفرح، طلبت مجموعة من اللاعبين والإداريين من السائق التوجه إلى مبنى الإذاعة السابق؛ لإبلاغ العاملين بها بالنتيجة وإذاعتها.

وبعد تلك المباراة بفترة انتقل أحمد بن سالمين إلى فريق المحرق وأصبح يشارك في مبارياته، وشيئا فشيئا أخذ كعبه يعلو ويرتفع وتتطور مهاراته الفنية وتتعزز وتتنوع مراوغاته المجدية وتسديداته القوية بيسراه المتوجة بإحراز الكثير من الأهداف، وسرعان ما بلغ شهرة واسعة مع نهاية خمسينات القرن الماضي وبداية ستيناته مع طراوته. وبعد انتقاله لفريق المحرق كان فريقه السابق الهلال دائم الاستعانة به عندما كان يلاعب فرقا كروية زائرة للبحرين من السعودية وقطر، ويسهم في تحقيق الفوز للهلال. ومع استمرار بزوغ نجمه وتألقه صار يحظى بشعبية واسعة، وهو ما أفضى إلى جعل الجماهير الكروية العريضة تطلق عليه (أحمديه).

وقريبا من منتصف الستينات جاءت لي فرصة اللعب إلى جواره بعدما انتقلت من فريق الهلال أيضا إلى فريق المحرق في الموسم الكروي 65/‏‏1966، وبذلك صرت زميلا له في الفريق وفي الملعب، وكان يسود فيما بيننا الانسجام والتفاهم والتعاون إلى جانب كل من الشيخ خليفة بن سلمان بن أحمد آل خليفة وعيسى بونفور وإبراهيم عبود ويوسف محمد يوسف وخالد شريدة، رحمهم الله، وناصر سعد وخليفة الزياني ومحمد بن هجرس وإبراهيم علي إبراهيم، وكنا نفوز وقتها وبتوفيق من الله بعدد كبير ووافر من الأهداف التي كان (أحمديه) يفتتحها في الغالب. وكذلك تسني لي أن أزامله وألازمه في الفريق ومع منتخب البحرين حين التقى بفريق الإسماعيلي المصري، وكذلك منتخب المنطقة الشرقية بالسعودية التي تعرضت فيها لإصابة جسيمة.

وكنا نوفق بفريق المحرق في الفوز ببطولتي الدوري والكأس حتى موسم 67/‏‏1968. وبعدما تعافيت من الإصابة التي أشرت إليها شرعت في مهمة التدريب، وبدأتها بتدريب فريق أشبال المحرق، وبعد ذلك دربت فريقي سترة وسنابس، ثم فريق شط العرب وهو من فرق مدينة المحرق.

وبعدما أنهيت مهمتي مع شط العرب طلبت إدارة فريق المحرق مني تدريب الفريق الأول الذي كان يدربه وقتها أحمد سالمين الذي كان في الوقت نفسه لاعبًا أساسيًا ومهمًا في صفوف الفريق، وهو ما قد يؤثر -بلا شك- على عطائه للفريق. وجاء إسناد مهمة التدريب لي بناء على ترشيح منه رحمه الله ليتفرغ هو للعب.

وعندما شرعت في ممارسة مهامي التدريبية للفريق بالموسم الكروي 72/‏‏1973 قرر نادي المحرق حينما كان مقره سابقا في بيت عيسى كويتي بالبسيتين، وبالاتفاق مع نادي القادسية الكويتي، القيام بزيارة لدولة الكويت ولعب ثلاث مباريات فيها أمام فرق أندية القادسية والعربي والسالمية، وأن يكون دخل وريع هذه المباريات لصالح نادي المحرق بغية بناء مرافق ومنشآت بالمبنى القديم للنادي بالبسيتين.

وحينما كنا نستعد لتلك الزيارة الأخوية للكويت كان أحمد سالمين يشكو من إصابة في قدمه وركبته، فاستحسنت إدارة النادي إرساله إلى الكويت للعلاج على أمل أن يتعافى ويشفى من الإصابة ويشارك مع الفريق خلال وجوده هناك، لكن تبيّن أنه لن يتعافى في الوقت المناسب ولن يتمكن من اللعب، ولكنه شارك معنا كإداري خدمات.

وحقيقة إنني كنت أشعر بالحرج عندما كنت أدربه مع الفريق وأشرح له مع زملائه اللاعبين أسلوب اللعب الذي يتوجب أن نواجه به الفرق، سواء هنا في البحرين أو في الكويت، وذلك بالنظر إلى شهرته وعلو كعبه لاعبا وخبرته مدربا. وفي أثناء تواجدنا في الكويت باشر ما أسندت إليه من مهام إدارية على خير وجه، فكان يأتي إلى غرفتي ومعه فانيلات اللاعبين ويستفسر مني عمن سيلعب يوم المباراة. فأبلغه بتشكيلة الفريق، فيقوم هو -قيامًا بمهمته كإداري- بالتنقل بين غرف اللاعبين المرشحين للعب ويوزع عليهم فانيلات كل مباراة من مبارياتنا مع تلك الفرق.

وهكذا وجدت في بن سالمين الحب والإخلاص والتواضع والتفاني من أجل الفانيلة الحمراء ونادي المحرق العريق.

ولا تفوتني أن أشير هنا إلى سجية حسنة وعادة عربية أصيلة كان يتمتع بها (بومحمد)، فقد دأب خلال مناسبتي عيد الفطر وعيد الأضحى على استضافتنا نحن معشر زملائه بالفريق بحضور جمع من أقاربه ومعارفه على مأدبة غداء ثاني العيد، يقيمها في بيته القديم بفريق بن غتم بالمحرق، وتحفل بكل ما لذ وطاب، وذلك وقبل زواجه واستمر في إقامتها ببيته الحديث شرق المحرق.

وقد تزامنت وفاته مع أنها كان طبيعية مع تفشي وباء (كورونا) وهو ما حرمنا من المشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير وتقديم التعازي إلى أولاده وأهله وأقاربه ومحبيه. فرحمك الله يا أحمد بن يوسف سالمين، وجعل مثواك الجنة، وألهم أبناءك وأحفادك وأهلك وذويك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ذكريات حول مهرجان الاعتزال

حين كنت خلال سبعينات القرن الماضي عضوًا بمجلس إدارة نادي المحرق ورئيسًا للنشاط الرياضي والعلاقات العامة فيه، ومع تهيؤ لاعب فريق المحرق الأشهر ونجمه الفذ أحمد بن سالمين لاعتزال لعب كرة القدم بعد سنوات حافلة بالانتصارات وإحراز البطولات للفريق، ومن ثم التفرغ للتدريب ورعاية أجيال من الناشئة والشباب المنضوين تحت راية الفريق، قررت الإدارة إقامة مهرجان لاعتزاله تليق بمكانته، وعليه فقد أصدر المجلس وكان يرأسه أيامها المغفور له الشيخ دعيج بن خليفة بن محمد آل خليفة قرارًا بأن أتولى رئاسة مهرجان الاعتزال، وعلى ضوء ذلك جرى تكليفي بالسفر إلى دولة الكويت الشقيقة لدعوة فريق نادي الكويت لكرة القدم للمشاركة في هذا المهرجان، والذي سيتم فيه تكريم هذا اللاعب الخلوق بمناسبة اعتزاله اللعب مع فريق المحرق، لكن دون الاستغناء عن إسهاماته الفنية والإدارية بالفريق والنادي.

ومن حين التكليف صارت الاستعدادات لإقامة هذا المهرجان وإنجاحه تجري على قدم وساق، علمًا بأنه يقام لأول مرة في تاريخ الكرة البحرينية. ورغبة في أداء هذه المهمة على أفضل وجه فقد قمت من واقع رئاستي للمهرجان بتشكيل عدد من اللجان المنظمة لضمان النجاح للمهرجان ومنها الإعلامية والإعلانات والمالية، ولجان الإشراف على بيع تذاكر المباراة، والإشراف على بوابات الدخول والمنصة الرئيسية وذلك بمشاركة الاتحاد البحريني لكرة القدم، هذا إلى جانب مساهمة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وقد كان كل ذلك حقيقة حدثًا رياضيًا فريدًا.

وفي سياق مباشرة مهماتي، قمت بإعداد كتاب عن اعتزال اللاعب الكبير المرحوم أحمد سالمين، بينما أسهم الصحافي البارز المرحوم محمود المردي بتحمل نصف تكلفة إصدار الكتاب والذي طبع بمطابع المؤسسة العربية للنشر والطباعة والتي كان صاحبها هو الأستاذ المردي نفسه.

وفي اليوم المشهود للمهرجان وإقامة مباراة الاعتزال على أستاد مدينة عيسى والذي صادف يوم 28 مارس 1977 شهد الأستاد حضورًا جماهيريًا كثيفًا غصّت به المدرجات وجنباته، وحينما قمنا بإغلاق بوابة الدخول للمنصة الرئيسية اندفعت إلينا أفواج من الأشخاص ومحبي وعشاق فن اللاعب بن سالمين عارضين دفع مبلغ للتذكرة الواحدة للمنصة الرئيسية تفوق قيمتها المحددة معتبرين ذلك مساهمة ودعما لإنجاح المهرجان ومشروع الاعتزال. وكذلك عندما بدأ أعضاء اللجان والمتطوعون في بيع كتاب الاعتزال فإنها سرعان ما أخذت تنفد تباعا بسبب هذا الحدث الفريد، بل إنه حتى بعد المباراة قدم إلينا من لم يحصلوا على نسخة من الكتاب لشرائه والاحتفاظ به للذكرى، علمًا بأن قيمته كانت مائة فلس فقط!

وكان من توفيق الله أن جميع فقرات المهرجان والحفل قد اتسمت بالتمام والكمال ولذا فقد حالفها النجاح.

وللعلم فإن الفريق الضيف أقام خلال وجوده في البحرين بفندق الشرق الأوسط بالمنامة، وقد فاز في مباراة الاعتزال بهدف للا شيء.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن من المدهش أنه قد تم في ذلك الحدث تكليف الرياضي المعروف الأستاذ حسين شرفي ليكون عريفًا لحفل الاعتزال، لكن دون أن يحسب حساب توفير مكان له بالمنصة ليباشر إذاعة وقائع الحفل عبر الميكروفون، فما كان منه إلا أن يتخذ مكانًا له بغرفة بالطابق الأرضي من الأستاد لينقل الوقائع وبرنامج الاحتفال والذي باشره بكل دقة وكأنه بمنصة الأستاد، إذ لم تشب تقديمه للبرنامج وعرضه للوقائع أية هفوة حتى نهاية اللقاء الأخوي، وهذا إنما تم بفضل من الله سبحانه وتعالى، وأسهم في إنجاح مهرجان اعتزال الرجل الطيب أحمد بن سالمين.. الذي غادر عالمنا للتو، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه كل خير.

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع عيون الخليج ، فقيد الكرة والتدريب أحمد بن يوسف سالمين ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : صحيفه الايام